أحمد مصطفى المراغي

39

تفسير المراغي

وكان من حديثه أن أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة ومعه صناديد قريش : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، يدعوهم للإسلام ، ويذكّرهم بأيام اللّه ، ويحذرهم بطشه وجبروته ، ويعدهم أحسن المثوبة إن أسلموا ، وهو شديد الحرص على أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، لأنه يعلم أن سيسلم بإسلامهم خلق كثير ، إذ بيدهم مقادة العرب . فقال ابن أم مكتوم : يا رسول اللّه أقرئنى وعلمني مما علمك اللّه ، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم ، فكره الرسول قطعه لكلامه ، وظهرت في وجهه الكراهة ، فعبس وأعرض عنه . وقد عاتب اللّه نبيّه بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي أن يكون باعثا على كراهة كلامه والإعراض عنه ، لأن ذلك يورث انكسار قلوب الفقراء ، وهو مطالب بتأليف قلوبهم كما قال : « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » وقال : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً » . ولأنه كان ذكىّ الفؤاد إذا سمع الحكمة وعاها ، فيتطهر بها من أو ضار الآثام ، وتصفو بها نفسه ، أو يذكّر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستأنف أيامه . أما أولئك الأغنياء فأكثرهم جحدة أغبياء ، فلا ينبغي التصدي لهم ، طمعا في إقبالهم على الإسلام ، ليتبعهم غيرهم . وقوّة الإنسان إنما هي في ذكاء لبّه ، وحياة قلبه ، وإذعانه للحق متى لاحت له أماراته ، أما المال والنشب ، والحشم والأعوان فهي عوار تجىء وترتحل ، وتفرّ حينا ثم تنتقل .